المقريزي
551
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
تماديا في الإعراض عنه ، وجرى على عادته في أذى من ينسب إليه ، وأغرى الملك المنصور بشمس الدّين محمد بن السّلعوس - ناظر ديوان الأشرف - حتى ضربه ، وصرفه عن مباشرة ديوانه . والأشرف مع ذلك يتأكّد حنقه عليه ، ولا يجد بدّا من الصّبر إلى أن صار له الأمر بعد أبيه ، ووقف الأمير طرنطاي بين يديه في نيابة السّلطنة على عادته ، وهو منحرف عنه لما أسلفه من الإساءة عليه . وأخذ الأشرف في التّدبير عليه إلى أن نقل له عنه أنّه يتحدّث سرّا في إفساد نظام المملكة وإخراج الملك عنه ، وأنّه قصد أن يقتل السّلطان وهو راكب في الميدان الأسود الذي تحت قلعة الجبل عندما يقرب من باب الإسطبل ، فلم يحتمل ذلك . وعندها سيّر أربعة ميادين - والأمير طرنطاي ومن وافقه عند باب سارية - حتى انتهى إلى رأس الميدان ، وقرب من باب الإسطبل ، وفي الظّنّ أنّه يعطف إلى باب سارية ليكمل التّسيير على العادة ، فعطف إلى جهة القلعة ، وأسرع ودخل من باب الإسطبل . فبادر الأمير طرنطاي عندما عطف السّلطان ، وساق فيمن معه ليدركوه ، ففاتهم وصار بالإسطبل فيمن خفّ معه من خواصّه . وما هو إلّا أن نزل الأشرف من الرّكوب ، فاستدعى بالأمير طرنطاي ، فمنعه الأمير زين الدّين كتبغا المنصوري من الدّخول إليه ، وحذّره منه وقال له : واللّه إنّي أخاف عليك منه ، فلا تدخل عليه إلّا في عصبة تعلم أنّهم يمنعونك منه إن وقع أمر تكرهه . فلم يرجع إليه ، وغرّه أنّ أحدا لا يجسر عليه لمهابته في القلوب ومكانته من الدّولة ، وأنّ الأشرف لا يبادره بالقبض عليه ، وقال لكتبغا : واللّه لو كنت نائما ما جسر خليل ينبّهني . وقام ومشى إلى السّلطان ودخل ومعه كتبغا ، فلمّا وقف على عادته ، بادر إليه جماعة قد أعدّهم السّلطان / وقبضوا عليه ، فأخذه اللكم من كلّ جانب والسّلطان يعدّد ذنوبه ، ويذكر له إساءته ويسبّه . فقال له : يا خوند ، هذا جميعه قد عملته معك ، وقدّمت الموت بين يديّ ، ولكن واللّه لتندمنّ من بعدي . هذا والأيدي تتناوب عليه ، حتى إنّ بعض الخاصّكيّة قلع عينه وسحب إلى السّجن . فخرج كتبغا وهو يقول : إيش أعمل ؟ ويكرّرها . فأدركه الطلب ، وقبض عليه أيضا ، ثم آل أمر كتبغا بعد ذلك إلى أن ولي سلطنة مصر . وأوقع الأشرف الحوطة على أموال طرنطاي ، وبعث إلى داره الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي . فوجد له من العين ستّ مائة ألف دينار ، ومن الفضّة سبعة عشر ألف رطل ومائة رطل مصري عنها زيادة على مائة وسبعين قنطارا فضّة سوى الأواني ، ومن العدد والأسلحة والأقمشة والآلات والخيول والمماليك ما يتعذّر إحصاء قيمته ، ومن الغلّات والأملاك شيء كثير جدّا ، ووجد له من البضائع والأموال المسفّرة على اسمه ، والودائع والمقارضات ، والقيود والأعمال ، والأبقار والأغنام ، والرّقيق وغير ذلك ، شيء يجلّ وصفه ، هذا سوى ما أخفاه